زكريا القزويني

257

آثار البلاد واخبار العباد

وابنه يحفظها بمرّتين ، وغلامه يحفظها بثلاث مرّات ، فربّما قرأ أحد على ممدوح قصيدة بحضوره فيقول : هذا الشعر لي ! ويعيدها ثمّ يقول : وابني أيضا يحفظها ، ثمّ يقول : وغلامي أيضا يحفظها . اتّصل بسيف الدولة وقرأ عليه : أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل فلمّا انتهى إلى قوله : أقل أنل اقطع احمل سلّ علّ أعد * زدهشّ بشّ تفضّل ادن سرّ صل أمر سيف الدولة أن يفعل جميع هذه الأوامر التي ذكرها فيقول المتنبي : أمرّ إلى إقطاعه في ثيابه * على طرفه من داره بحسامه حكى ابن جنّي عن أبي علي النسوي قال : خرجت من حلب فإذا أنا بفارس متلثّم قد أهوى نحوي برمح طويل سدّده في صدري ، فكدت أرمي نفسي من الدابّة ، فثنى السنان وحسر لثامه فإذا المتنبي يقول : نثرت رؤوسا بالأحيدب منهم * كما نثرت فوق العروس دراهم ثمّ قال : كيف ترى هذا البيت أحسن هو ؟ قلت : ويحك قتلني ! قال ابن جنّي : حكيت هذا بمدينة السلام لأبي الطيّب فضحك . وحكى الثعالبي أن المتنبي لمّا قدم بغداد ترفع عن مدح الوزير المهلبي ، ذهابا بنفسه إلى أنّه لا يمدح غير الملوك ، فشقّ ذلك على الوزير فأغرى به شعراء بغداد في هجوه ، ومنهم ابن سكّرة الهاشمي والحاتمي وابن لنكك ، فلم يجبهم بشيء وقال : اني قد فرغت عن جوابهم بقولي لمن هو أرفع طبقة منهم في الشعر :